الشيخ محمد رشيد رضا
87
الوحي المحمدي
في الأسفار ، ولا مما وصفوا من أفكاره في الغار ، فليراجع ترتيب نزول السور في كتاب الإتقان من شاء . ( الوجه التاسع ) : إن هذه المعلومات المحمدية التي تصورها هؤلاء المحللون لمسألة الوحي قليلة المواد ضيقة النطاق عن أن تكون مصدرا لوحى القرآن . وإن القرآن لأعلى وأوسع وأكمل من كل ما كان يعرفه مثل بحيرا ، ونسطور ، وكل نصارى الشام ونصارى الأرض ويهودها . دع الأعراب الذين كان يمرّ بهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالطريق إلى الشام أو حضرهم . وأن القرآن نزل مصدقا لكتب أهل الكتاب من حيث كونها في الأصل من وحى اللّه إلى موسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم ، ونزل أيضا مهيمنا عليها ؛ أي : رقيبا وحاكما كما نصت عليه الآية ( 48 ) من سورة المائدة ومما حكم به على أهلها من اليهود والنصارى أنهم أوتوا نصيبا من الكتاب « 1 » ، أي : لا كله ونسوا حظا آخر منه وأنهم حرفوا كلمه عن مواضعه « 2 » ، وبين كثيرا من المسائل الكبرى مما خالفوا واختلفوا فيه من العقائد والأحكام والأخبار « 3 » ، ومثل هذه الأحكام العليا عليهم ، لا يمكن أن تكون مستمدة من أفراد من الرهبان أو غير الرهبان ، أفاضوها على محمد في رحلته التجارية إلى الشام . سواء أكان عند بعضهم بقية من التوحيد الموسوي والعيسوي الذي كان يقول به آريوس وأتباعه أم لا ؟ وسواء أكان لدى بعضهم بقية من الأناجيل التي حكمت الكنيسة الرسمية بعد قانونيتها ( أبو كريف ) كإنجيل طفولة المسيح وإنجيل برنابا أم لا ؟ فمحمد لم يعقد في الشام ولا في مكة مجمعا مسيحيا كمجامع الكنيسة للترجيح بين الأناجيل والمذاهب المسيحية ويحكم بصحة بعضها دون بعض . إنّ وقوع مثل هذا منه في تلك الرحلة مما يعلم واضعو هذه الأخبار ببداهة العقل مع عدم النقل أنه محال عادة ، وعلى فرض وقوعه يقال : كيف يمكن أن يحكم بين تلك الأناجيل وتلك المذاهب برأيه في تلك الخلسة التجارية للنظر فيها ويأمن على حكمه الخطأ ؟ وقد صحّ عنه أنه قال لأصحابه في شأن أهل الكتاب : « لا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم « 4 » » ،
--> ( 1 ) النساء : 44 - 51 . ( 2 ) المائدة : 13 - 14 . ( 3 ) آل عمران : 75 ، النساء : 46 ، المائدة : 13 ، 14 . ( 4 ) رواه البخاري بهذا اللفظ ، وأحمد والبزار من حديث جابر بلفظ : « لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل ، والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا اتباعى » وسببه أن عمر كتب شيئا من التوراة عن اليهود فعلم النبي صلّى اللّه عليه وسلم فغضب وقاله .